إسرائيل لا تريد أمنها
كتب رياض مصطفاوي
قامت الدولة العبرية في فراغ سياسي عربي في أرض المقدس فلسطين، و استمدت قوتها من دعم القوى الكبرى في العالم بريطانيا و أمريكا و دعم خفي من الإتحاد السوفييتي، فلماذا تدعم تلك القوى إسرائيل؟ و لماذا ترفض إسرائيل الركون للسلم رغم أنها في حالة سلم أصلا مع دول المنطقة؟
عندما تقرر في كواليس الحكم البريطانية منح أرض المقدس العربية لشتات اليهود المنتشرين في العالم، لم يكن اختيار الأرض من قبيل الصدفة، و لم يكن قرار جمعهم إسداء خدمة لهم، فاختيار أرض المقدس لجمع اليهود كان مبني على ثلاث أسس؛ أولها الفراغ السياسي للأرض و عدم وجود دعائم دولة سياسية معترف بها في الخريطة العالمية، مما مكن من رفع شعار "فلسطين أرض بلا شعب، و اليهود شعب بلا أرض" رغم المكانة التاريخية الدينية لأرض المقدس لدى العرب مسلمين كانوا أو مسيحيين. ثانيها أن أرض المقدس ترتبط تاريخيا و عقائديا باليهود كارتباطها بالمسلمين و المسيحيين أيضا، و على اعتبار أن اليهود سبقوا المسلمين و المسيحيين تاريخيا، لعب البريطانيين في تمثيليتهم المستمرة إلى حد اليوم على مبدأ الأقدمية لسكان الأرض الأصليين. و ثالث و أهم الأسس هو أن العالم الغربي كان يريد أن يتخلص من اليهود من أرضه، لأن اليهود معروفين على أنهم يعيشون كالمنظمة السرية التي يمكن أن تشكل خطرا على أوروبا بسبب مبادئ اليهود "فعل كل شيء من أجل الوصول إلى الهدف" أو "الغاية تبرر الوسيلة"، لكن أية غاية و أية وسيلة؟ لذلك كان من الضروري أن يتم جمع أعضاء تلك المنظمة في أرض واحدة حتى يتم إبعادهم و إشغالهم و مراقبتهم، و ستكون الأموال الطائلة التي تمنح لهم كل سنة لاشيء بالنظر إلى الخطر الذي تم التخلص منه.
تم منح اليهود أرض المقدس و انتهى الأمر، ماذا بعد؟
خلق أرض معركة شبه أبدية بين العرب و الإسرائيليين في منطقة الشرق الأوسط، معركة في الأول كانت من أجل المبادئ و لكن بدأت تتضح معالمها الحقيقية منذ زمن ليس بالقريب، العرب في حربهم ضد إسرائيل لم يحاربوا لأجل استرداد أرض المقدس، و لكن من أجل استرجاع أراضيهم المحتلة، مصر حاربت من أجل سيناء، سوريا كافحت من أجل الجولان، و لبنان من أجل أراضي الجنوب اللبناني، الوحيد الذي أدخل القوة العسكرية من أجل القضية الفلسطينية هو الشهيد المحترم فخامة الرئيس العراقي المبجل صدام حسين، رغم بعده الجغرافي عن أرض المقدس و رغم عدم وجود خلاف مباشر بينه و بين إسرائيل، أما باقي العرب لم يمتلكوا إلا التنديد و الوعيد، و كل ذلك فارغ، حتى الشعب الفلسطيني نفسه و هو المعني بالقضية أكثر من أي طرف آخر، لم يحارب من أجل قضيته "باستثناء بعض العمليات الشبه المعزولة لبعض الأبطال و التي لا يمكن اعتبارها مرجعا"، إنه الخيال بعينه، العرب يعيشون حالة سلم مع إسرائيل و طوال الوقت يطالبون بالمفاوضات من أجل السلام، و إسرائيل تعيش حالة حرب ضد العرب و طوال الوقت تهدد بالحرب، هل نضحك على أنفسنا أو يضحكون علينا؟ مصر أكبر دولة على خلاف مع إسرائيل أبرمت اتفاقية سلام مع إسرائيل، و اعتمدت معها بعثات دبلوماسية، نفس الشيء فعلته الأردن و أكثر الدول العربية، يعني ضمنيا أن إسرائيل دولة صديقة و ليست عدوة، الفلسطينيين سلموا أرضهم لإسرائيل مقابل الحصول على الحكم الذاتي في غزة و أريحا، الجميع استسلم أو على الأقل قبل بالأمر الواقع و اختار العرب السلام، لكن إسرائيل لا تريد أن تعيش في ظل السلام حتى و إن كلفها ذلك المال الكثير و أرواح أبنائها القليلين، لماذا؟
ظاهريا يبدو الأمر أنه السعي لاحتلال أراضي عربية جديدة، أو السعي للسيطرة الإستراتيجية على المنطقة، لكن في الواقع الأمر أهم من الأرض و السيطرة.
لننظر إلى تركيبة الشعب الإسرائيلي، كما سبق و أن ذكرنا إنه شعب مركب من شتات اليهود عبر العالم و الذين تم جمعهم من أجل تأسيس الدولة العبرية في أرض فلسطين، لا أحد من اليهود يمكنه إثبات يهوديته التاريخية، و لا أحد يمكنه إثبات نسله النبوي و أنا أتحدى أي يهودي أن يتمكن من ذلك، يهود اليوم منهم الأوروبيين من أصل الروم و الغال و الفايكينغ، و الآسيويين من أصل المغول و الهنود، و الأفارقة من أصل البربر و الزنوج و قدماء العبيد، و الأمريكيين و الأستراليين من أصول مختلفة، و العرب من أصل عربي، لكن اليهود التاريخيين؛ يستحيل إثبات وجود أصل صافي أصيل لهم، و الغريب الغير مستغرب أنه في إسرائيل يوجد يهود مزيفين، يوجد مسلمين و مسيحيين و كفار من العرب و الأفارقة و الأوروبيين و الغير الأوروبيين ضاقت بهم الدنيا في بلدانهم الأصيلة بسبب ظروف المعيشة و البطالة و أزمات السكن و التعليم و الصحة، فاختاروا طلب الهجرة لإسرائيل منتحلين الديانة اليهودية آملين أن يجدوا في إسرائيل الجنة المنتظرة بأن توفر لهم المسكن و العمل و التعليم و الصحة و باقي وسائل الحياة، و هؤلاء اليهود المزيفين يمارسون حياتهم و تضامنهم اليومي كيهود و عند دخول بيوتهم يمارس كل منهم شعائره الدينية و يدعو الله أن يغفر له نفاقه الديني بحجة أنه كان مضطرا.
إسرائيل يحكمها الصهاينة، و هم ما يسمى بحكماء الأمة، أو حكام الخفاء، أصحاب القرار، و لا علاقة لهاته الطبقة بالتاريخ الديني للنسل اليهودي، إنهم ليسوا من أبناء اليهود الأصليين أو ورثة عروشهم، بل لا ينتمون في الأصل إلى أرض المقدس، إنهم مجموعة حكام من أصل أوروبي، يعتبرون أنفسهم صفوة يهود إسرائيل، وأساد الشعب اليهودي، على اعتبار أن اليهود تم جمعهم بمخطط أوروبي و هم من قدماء المخططين لهذا التجميع أو من العاملين السريين السابقين في المشروع و ترقوا في المناصب حتى خلفوا سابقيهم من المخططين، سلسلة إدارية، أو ما يمكن اعتباره جهاز إستخباراتي غير معلن أكثر سرية و تأثيرا من الموساد، و أهم مبدأ لهاته المجموعة الحاكمة الرقي بحياة اليهودي الأوروبي و منحه الرفاهية، و إن دعت الضرورة للمخاطرة بالحياة في الحروب مثلا فإنها تدفع باليهود الغير أوروبيين و اليهود المزيفين إلى الخطوط الأمامية، حتى اليهود الأقرب في أصلهم من أرض المقدس هم أقل شأنا في إسرائيل من اليهود الأوروبيين الأبعد تاريخيا و جغرافيا عن أرض النبوءات.
التنوع البشري لدى اليهود قنبلة موقوتة نائمة على أرض المقدس، حكماء الصهاينة يدفعون النفس و النفيس من أجل أن تظل نائمة، لأنها تهدد بنسف وجود الدولة العبرية، لذلك تميل إسرائيل إلى إشغال كل أطراف الشعب و الحكومة بالحروب و الخلافات مع بلدان المنطقة، و رغم أن العرب أعطوا إسرائيل كل ما تريد من أرض و سلام، و تبادلوا معها البعثات الدبلوماسية "في أغلبهم"، إلى أن إسرائيل تصطنع الخلاف، و تلجأ إلى زعزعة أمنها و استقرارها من أجل الحفاظ على وجودها، لأن إسرائيل لو استقرت أمنيا؛ سيبدأ السؤال "من أنا و من أنت" في إشعال فتيل القنبلة التي ستنسف بإسرائيل، و سوف لن تبقي الحرب الأهلية على شيء في الدولة العبرية، لأن الجميع سينتفض و سيتحول الخلاف إلى حرب عرقية بين الأصول المتنوعة للإسرائيليين و ما أكثرها، و الجميع أيضا سيدافع عن أحقيته في المساواة باليهودي الأوروبي في كل الحقوق و الواجبات، و الأوروبي طبعا لن يقبل بذلك.